فخر الدين الرازي

483

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأما قوله مِنَ اللَّهِ فاعلم أنه لما ذكر أن حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ وجب بيان أن المنزل من هو ؟ فقال : مِنَ اللَّهِ ثم بيّن أن اللّه تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملا على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه ، فبين أن المنزل هو اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم باللّه ما هو ؟ فقال جمع عظيم ، أنه العلم بكونه قادرا وبعده العالم بكونه عالما ، إذا عرفت هذا فنقول الْعَزِيزِ له تفسيران أحدهما : الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة والثاني : الذي لا مثل له ، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر ، لأن قوله تعالى : اللَّهِ * يدل على كونه قادرا ، فوجب حمل الْعَزِيزِ على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل ، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسما ، والذي لا يكون جسما يكون منزّها عن الشهوة والنفرة ، والذي يكون كذلك يكون منزّها عن الحاجة . وأما الْعَلِيمِ فهو مبالغة في العلم ، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، فقوله مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق ، الغني المطلق ، العالم المطلق ، ومن كان كذلك كان عالما بوجوه المصالح والمفاسد ، وكان عالما بكونه غنيا عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ومن كان كذلك كان رحيما جوادا ، وكانت أفعاله حكمة وصوابا منزّهة عن القبيح والباطل ، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله تَنْزِيلُ هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقا وصوابا ، وقيل الفائدة في ذكر الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أمران أحدهما : أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز ، ولولا كونه عزيزا عليما لما صح ذلك والثاني : أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف ، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزا لا يغلب وبكونه عليما لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فهذه ستة أنواع من الصفات : الصفة الأولى : قوله غافِرِ الذَّنْبِ قال الجبائي : معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه ، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة / كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها ، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة ، ومذهب أصحابنا أن اللّه تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة ، وهذه الآية تدل على ذلك وبيانه من وجوه الأول : أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد ، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات ، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل ، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني : أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقيا موجودا فيستر ، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها ، فمعنى الغفر فيها غير معقول ، ولا يمكن حمل قوله غافِرِ الذَّنْبِ